فوزي آل سيف

87

من قصة الديانات والرسل

تحدث القرآن الكريم[275]والنبي محمدٌ المصطفى بتكريمٍ عن السيد المسيح عيسى بن مريم في مواضع كثيرة. ولقد صارت ولادته من جهة وحياته وطول بقائه من جهة أخرى آية ودليلًا لكثير من المعتقدات الدينية.[276] نظرة على الأوضاع إبّان ولادة المسيح: ـ الناحية السياسية: وُلد نبي الله عيسى زمانَ تسلّط الدولة الرومانية على أكثر مناطق العالم، بما فيها المنطقة التي كانت مسرحًا لبعثة الأنبياء كبلاد الشام وفلسطين ومصر.[277]وكانت الوثنيةُ – آنذاك - الدينَ الرسمي للدولة الرومانية. احتلّ الرومان فلسطين مهدَ ولادة المسيح[278]- على المشهور - وبقيت تحت حكم الرومان. وقبيل ميلاد عيسى بن مريم تمّ منحها حكمًا ذاتيًا تابعًا للإمبراطورية الرومانية، فيكونُ الحاكم عليها يهوديَّ الديانة مؤتمرًا بأوامر الرومان وقد تولاها لهم هيرودس، ثم ابنه هيرودس الثاني. - الناحية الاجتماعية: قبيل ولادة نبي الله عيسى بن مريم كان الوضع الاجتماعي في المجتمع اليهودي في فلسطين يتشكل في ثلاثِ فئات:

--> 275 عبر عنه في القرآن بتعابير متعددة فهو كلمة الله، وروح منه، والمسيح، وأنه من المقربين والصالحين، وأنه رسول، وأنه وجيه في الدنيا والآخرة (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (آل عمران: 45- 46 276 يستدل الامامية بنبوة المسيح عيسى وهو في المهد (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(مريم: 30 على أن النبوة لا تخضع لعوامل السن والعمر في انتخاب النبي من الله تعالى، وكذلك الحال في الإمامة فإن من الممكن ـ بل قد حصل ـ أن يختار الله إماما للخلق وهو صغير السن. كما يستدلون بطول بقائه (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) النساء: 157- 158 على إمكان ـ وحصول ـ العمر الطويل للإنسان بإذن الله بحيث يستمر لما يقرب من ألفي سنة، على إمكان وحصول استمرار الحياة للإمام محمد بن الحسن المهدي عجل الله فرجه. 277 بشكل إجمالي يشار إلى أنه: كانت دعوة نبي الله موسى وأخوه هارون في هذه المنطقة (مصر وفلسطين وبلاد الشام) وخلفهما وصي موسى وفتاه يوشع بن نون حيث دخل الأرض المقدسة فاتحا حوالي سنة 1250 قبل الميلاد، وبقيت تحت إدارة بني اسرائيل من أتباع النبي موسى عليه السلام وهي تسير من ضعف إلى أضعف. إلى أن جاء النبي داود في زمان طالوت، وأعاد النصر إلى تلك المملكة والمجتمع وبلغ أوجه في زمان ابنه النبي سليمان عليهما السلام، إلى حوالي سنة 965 ق.م، لتتقسم بعدها تلك المملكة وذلك المجتمع إلى اقسام متحاربة وطوائف متخالفة، مما سهل على اعدائها من الآشوريين حوالي 721 ق.م ثم البابليين حوالي 586 ق.م السيطرة عليها وانهاء تلك المملكة والدولة، وتفتيت المجتمع اليهودي، وظلت تتداول المنطقة أيدي أعدائها الخارجيين حتى سيطر عليها الاسكندر المقدوني حولى سنة 333 ق.م وبذلك أصبحت هذه المنطقة وفلسطين بالذات تابعة للحكم اليوناني، واستمر ذلك حوالي ثلاثة قرون حتى سيطر عليها الرومان سنة 63 ق.م وكانت ولادة السيد المسيح في زمان الرومان وأيام حكم هيرودس. 278 هل كانت ولادة السيد المسيح في فلسطين؟ أو أنها في العراق؟ الأول هو المعروف بين المؤرخين ويستوي في ذلك المسلمون منهم والمسيحيون وتحديدا في بيت لحم، ويعتبرون (كنيسة المهد) فيها هو مكان الولادة، فقد ذكر المسعودي في التنبيه والاشراف / 121 أن بيت لحم محل ولادة المسيح عيسى واليعقوبي في تاريخه 1/ 68 ونقل السيوطي ذلك في الدر المنثور 2/342 وابن الأثير في الكامل في حديث المعراج 2/52 وابن خلدون في تاريخه 1/ 355. وكذلك نقله من الإمامية العلامة المجلسي في البحار 18/ 320 ضمن حديث المعراج عن تفسير القمي بسند معتبر. لكن المجلسي يظهر منه تبني الرأي الآخر والذي يقضي بأن ولادته كان في العراق، فإنه أورد روايات في ذلك 14/ 206، فهناك رواية حفص بن غياث (وسندها غير معتبر) بأن الصادق تخلل بساتين الكوفة حتى وصل إلى نخلة وصلى عندها وأشار إلى أنها النخلة التي هزتها مريم.. وفي أخرى / 211 كسابقتها سندا فيها أن الامام أمير المؤمنين لما رجع من قتال الخوارج مر بالزوراء وانتهى إلى براثا واستخرج صخرة هناك قال إنها التي وضعت مريم عليها عيسى.. وفي ثالثة (كسابقتيها سندا) أن مريم خرجت من دمشق!! حتى أتت كربلاء فوضعته في موضع قبر الحسين وعادت من ليلتها. وانتهى العلامة المجلسي في كتابه مرآة العقول 6/ 51 إلى أنّ: " ولادة عيسى عليه السلام بالكوفة على شاطئ الفرات مما وردت فيه اخبار كثيرة، وربما يستبعد ذلك بانه تواتر عند اهل الكتاب بل عندنا أيضًا أن مريم كانت في بيت المقدس، وكانت محررا لخدمته، وخرجت إلى بيت خالتها أو اختها زوجة زكريا فكيف انتقلت إلى الكوفة والى الفرات مع هذه المسافة البعيدة في هذه المدة القليلة؟ والجواب أن تلك الامور إنما تستبعد بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة اليها وأمثالها فلا استبعاد فيمكن أن يكون الله تعالى سيرها في ساعة واحدة آلاف فراسخ بطي الارض، ويؤيده قوله تعالى (فانتبذت به مكانا قصيا (أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد، هذا على فرض كون مدة حملها ساعات قليلة، وإلا على فرض كونها تسعة أشهر أو ثمانية أشهر فيمكن أن يكون ذهابها إلى الكوفة بغير طي الارض أيضًا، والمشهور بينهم أن ولادته كانت في بيت لحم بقرب بيت المقدس.